اللاعب معتصم أبو كرش.. كيف تسلّق “كلمنجارو” بطرفٍ صناعي؟

اللاعب معتصم أبو كرش.. كيف تسلّق “كلمنجارو” بطرفٍ صناعي؟

Want create site? With Free visual composer you can do it easy.

من قال إن الصعوبات يجب أن تكون نهاية الطريق؟! ألا يمكن أن تكون بدايته؟! ألا يمكن أن تمثل مدخلا جديدا للحياة يجعلها أكثر إشراقا؟.. النظرة الإيجابية للحياة مع التحدي تبناها “معتصم أبو كرش” الذي أفقدته الإصابة في طفولته ساقه وثلاثة أصابع من كفه الأيسر، ورغم أنه اتجه نحو العزلة ومكابدة الآلام النفسية في بداية الأمر، إلا أنه عاد لينطلق نحو الحياة من أوسع أبوابها، فحقق ما لم يكن ليحققه إن لم يُصب.

“فلسطين” حاورت الشاب معتصم (20 عاما) الذي يمارس العديد من الرياضات، وصاحب المركز الأول في مسابقةٍ لتسلق رابع أعلى قمة في العالم، وهو حاليًا طالب جامعي في عامه الثاني في كلية الحقوق.

بداية الحكاية

كان يجيد رياضتي السباحة وكرة القدم، ولكن الأمر لم يزد عن هوايةٍ يمارسها ببساطة مع أقرانه في الحي، إلا أن الصعوبات أدخلته في موجةٍ من التحديات، فأخرجت الرياضي الذي بداخله.

بدأت الحكاية قبل أحد عشر عاما، وتحديدا في عام 2005، في ذلك الوقت كان ضيفنا طفلا في التاسعة من عمره، وبينما هو يشارك أهله في إعادة بناء حائط في منزله في مخيم الشاطئ، قصف الاحتلال موقعا قريبا من البيت، فانهار جزء من البناء وأصابه هو وشقيقه وابن عمه، إصابته كانت خطيرة جدا، أما الإصابتان الأخريان فمرّتا بسلام.

يقول أبو كرش: “أصبتُ في ساقي، ويدي، وظهري، ولخطورة حالتي، تم نقلي بعد ساعة واحدة من الإصابة إلى مستشفى في الداخل المحتل، ومكثت فيها لشهرين، تدهورت خلالهما حالة قدمي، ولم يكن بدٌ من بتر الساق، بالإضافة إلى الأصابع الثلاثة التي بُترت سابقا من كف يدي اليسرى”.

ويضيف: “بعد عودتي إلى غزة، لم أكن قد تعافيت من الإصابة، فحصلت على فرصة للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، واستمرت رحلة العلاج فيها سبعة أشهر، خضعتُ خلالها لعدة عمليات جراحية، مع تركيب طرف صناعي”.

هل سألعب؟

ولأنه كان طفلا، فقد كان أكبر ما يخشاه ألا يتمكن من اللعب ثانية، فكان يسأل أمه التي رافقته في رحلة العلاج الأولى قبل أن تُقطع ساقه: “يعني مش حلعب كرة تاني؟ مش حسبح؟”، وكانت تجيبه في كل مرة بأنه سيعود إلى حياته بشكلها الطبيعي برغم البتر.

ويوضح أبو كرش: “دخلت في حالة نفسية سيئة جدا، واقتصرت حياتي على الذهاب إلى المدرسة في كل يوم، وفشلت كل محاولات أهلي لتحسين حالتي النفسية، ولكن الحال تغير في بداية عام 2010”.

ويبيّن: “كان والدي يلح عليّ بممارسة الرياضة، وحاول كثيراً أن يأخذني إلى البحر لتعليمي السباحة من جديد، إلى أن فاجأته ذات يوم برغبتي بالالتحاق بدورة لتعليم السباحة، وكانت هذه بداية خروجي من الحالة النفسية السيئة، وكذلك كانت إشارة لإزاحة عبءٍ كبير تحملته عائلتي بسبب وضعي النفسي، فبذلك اطمأنوا أن ابنهم بدأ يعود إلى حياته الطبيعية”.

سبب طلب التحاق أبو كرش بالدورة يعود إلى اطلاعه على العديد من مقاطع الفيديو لرياضيين ناجحين من ذوي الاحتياجات الخاصة، مما أقنعه بأن إصابته ليست نهاية الطريق، وأنه قادر على تحقيق ما يريد.

ويقول: “لم يكن الأمر مخططاً له، ولم أبحث عن نجاحات ذوى الاحتياجات الخاصة، ولم يرشدني إليها أحد، وإنما بدأ بحثي عن ذلك بعدما مررت مصادفة أثناء تصفح الإنترنت بمقطع فيديو نشره شاب غزّي يمارس فيه الرياضة رغم فقدانه ثلاثة أطراف، حينها أعدت حساباتي، فأنا فقدت طرفا واحدا وليس ثلاثة مثله، إذًا ما الذي يحول بيني وبين الرياضة”، هكذا تساءل ثم تابع: “هنا ظهرت آثار الدعم الأسري الذي تلقيته، وكأنه كان تمهيدا لهذه اللحظة، ولولاه لبقيت حبيس البيت”.

البداية كانت بدورة سباحة في بداية 2010، ثم مشاركة في مسابقة للسباحة في نهاية العام ذاته، ومن ثم انطلق أبو كرش للتدرب على رياضات أخرى، منها الكرة الطائرة، والتسلق، وركوب الدراجات، وكرة السلة التي يفضلها ويخصها بمزيدٍ من العناية.

لم أصدق!

ومن خلال الرياضة، شارك في أكثر من نشاط ومسابقة، منها ما هو محلي وما هو خارجي، فقد حصل على الترتيب الأول في مسابقةٍ لتسلق جبل كلمنجارو، رابع أعلى قمة في العالم، وذلك في مسابقة لذوي الاحتياجات الخاصة عُقدت في يناير 2014، ورفع العلم الفلسطيني على قمة الجبل.

وعن هذه الرحلة، يقول: “عندما عُرض عليّ المشاركة، لم أتخيل الأمر ممكنا، فأنا لم أجرب التسلق من قبل، ولا جبال في غزة لكي أتدرب عليها، ولكني تحمّست للفكرة، وبدأت بالتدريب فعلا، وكان عبارة عن استخدام جهاز المشي لساعات طويلة يوميا، مع التدرب في مناطق السوافي”.

ويضيف: “أعاقني معبر إيريز عن الوصول لموقع المسابقة في الموعد المحدد، إذ كان مقررا أن تبدأ المسابقة بعد يومين من وصول المشاركين فيها، وهذا ما حدث مع الجميع باستثنائي، فأنا لم أحصل على راحة من السفر أبدًا، بل التحقت بالمتسابقين فور وصولي، وبدأنا بالتسلق معًا لثمانية أيام، وفي اليوم الأخير تفرقنا، ومع كل منا مرشد، وفي ذلك اليوم تسلقت لمدة 13 ساعة لم أتوقف خلالها أبدا”.

ويتابع: “أخبرني المرشد أنه سيساعدني على الوصول إلى القمة عبر طرق مختصرة تجعلني أول الواصلين، وهذا ما حدث بالفعل، وعندما قال لي إننا أصبحنا على القمة، لم أصدقه لكوني لا أرى أيا من المتسابقين الآخرين، ولكنه أكد لي أنني وصلت وحصدت بذلك المرتبة الأولى، وبعد ساعة ونصف بدأ المشاركون الآخرون بالوصول”، مواصلا: “قررت أن أرفع العلم على قمة كلمنجارو لأني أمثل فلسطين ولا أمثل نفسي، ويشرفني أن أكون أول فلسطيني ينجح في تسلق تلك القمة”.

وأثناء التسلق، كان الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله يناقش ضيفنا ويسأله عن العديد من الأمور، ويدون كل ما يسمع منه، وبعد فترة فاجأه بأن أرسل له رواية “أرواح كلمنجارو” التي تشمل قصته وقصة الفلسطينية الأخرى المشاركة في المسابقة “ياسمين النجار”، وهو ما كان له وقع نفسي رائع عليه.

كان مما كتبه الروائي نصر الله مستلهما إياه من قصص المتسابقين الفلسطينيين، حوار جمع فيه بين قطاع غزة والضفة الغربية: “أتعرف ما الذي يثير دهشتي هنا أكثر من أي شيء آخر؟.. ارتفاع الجبال؟.. ذلك يدهشني، لأن غزة محرومة من الجبال. ما يثير دهشتي أنني لم أجد نفسي حتى الآن أمام حاجز عسكري يمنعني من المرور. يدهشني أن هنالك في الأرض عالما بلا حواجز عسكرية، لا تعرف إن كان فيها من سيسمحون لك بالمرور أم سيطلقون عليك النار”.

أما عن مشاركته في فعالية ركوب الدراجات في هولندا، فيوضح أبو كرش: “كانت رحلة ممتعة، جُبنا شوارعها بالدراجات رافعين العلم الفلسطيني، وكررنا الأمر لثلاثة أيام، في كل يوم قطعنا 100 كيلو متر، وفي اليوم الثالث صممنا على المواصلة رغم الأمطار، وهذا ما جعل الناس ينتبهون لوجودنا ويسألون عن سبب تحركنا، ومن ثم بدأوا بالاستفسار عن القضية، وفوجئنا بعدد منهم ينتظرنا في نهاية مسارنا”.

فضل الإصابة

يؤكد أبو كرش أن للإصابة فضلا عليه، فقد فرضت عليه تحديات لم يكن يفكر فيها، وجعلته يواجهها بنجاح لم يكن في الحسبان، مبينا: “كنت أمارس الرياضة مع أقراني في الحي كأي طفل، ولم أفكر بالتعمق في التدريبات، ولكن الإصابة هي ما دفعني لذلك، وعلمتني التحدي والإصرار على ما أريد، فلولاها لما فعلت شيئا”.

وإلى جانب الرياضة، ثمة فائدة أخرى يتحدث عنها أبو كرش: “المشاركات الرياضية بعد الإصابة فتحت لي الباب للاطلاع على ثقافات أخرى عبر السفر لأكثر من مكان، ومن المعلوم أن فوائدها كثيرة، ولكن أبرزها بالنسبة لي كان الحرص على الدراسة الجامعية التي لم أكن أفكر بها من قبل”.

ويلفت إلى أن حدوث الإصابة في عمر صغير أغناه عن التفكير في تأثيراتها على مستقبله، فكان أصعب ما يتخيله، آنذاك، أنه لن يتمكن من اللعب كما يريد، مبيّنا: “لم أفكر في الدراسة والعمل والزواج ولا غير ذلك من تفاصيل الحياة، ولم أنتبه لهذه الأمور إلا بعد أن اجتزت الحالة النفسية السيئة وعرفت أن الإصابة ليست عائقا عن شيء”.

ويشير إلى أنه شارك في فعالية توعوية لبعض المصابين الذين خرجوا من مخيم اليرموك في سوريا إلى الأردن، ليثبت لهم أن الحياة يمكن أن تسير بشكل طبيعي رغم الإصابة، موجها حديثه لكل من فقد شيئا من أطرافه، أو أعاقه المرض عن مواصلة حياته: “الإصابة ليست نهاية الطريق، بل ربما تكون بدايته كما حدث معي، وبالطبع ليست الرياضة الخيار الوحيد، وإنما كل فرد قادر على تحقيق ما يريد في أي مجال، والثقة بالنفس وبأنك قادرٌ على فعل شيء هي كلمة السر ومفتاح النجاح”.

Did you find apk for android? You can find new Free Android Games and apps.